EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
من غشنا فليس منا

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس:

في الصحيح من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من غشنا فليس منا».

وفي الصحيح من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق على كومة من طعام، فأدخل يده في الكومة فوجد بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: يا رسول الله أصابته السماء، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني». (أي كي يراه من يريد أن يشتري).

 

الغش أيها الناس من المحرمات شديدة التحريم، عدها العلماء من الكبائر العظيمة، ويدخل الغش في مجالات كثيرة؛ هو في بعضها أعظم من بعض

وهو خلاف النصح، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع المسلمين على النصح لكل مسلم؛ كما في الصحيح عن جرير رضي الله عنه وأرضاه قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"؛ فالنصح وعدم الغش مقرون في البيعة بأركان الإسلام.

ويرادف الغش: الخيانة، والمخادعة، والتدليس، والتلبيس، والتورية السيئة، والغل في الباطن؛ فإن من أظهر خلاف الباطن فقد غش، ولهذا المنافقون من أكبر الغشاشين؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون بغضه وبغض من جاء به، يبطنون الكفر ومحبة أهل الكفر؛ فلعنهم الله وجعلهم في الدرك الأسفل من النار تحت الكافرين وصناديد الإعراض عن هذا الدين، لما في قلوبهم من الغش والغل والدغل والبغض للحق وأهل الحق.

ومن أعظم مجالات الغش المحرم، المكروه أهله بين الناس: الغش في البيع والشراء والعقود والعهود والمعاملات وسائر أنواع البياعات؛ كما سمعتم في الحديث: «من غش فليس مني». وهذا في من كان له طعام (أي حبوب) بعضه أصابته السماء (أي أصابه مطر أو ماء)، فجعل الناشف فوق والمبلول في الأسفل، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». الصدق في البيع وإظهار العيوب وعدم إخفائها

ولهذا حرمت التصرية والبيع معها، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن اشتراها فهو بخير النظرين: إما أن يمسك -لأنه قد يريد اللحم مثلاً- وإما أن يرد وصاعاً من تمر». التصرية يعني: يحبس اللبن في الضرع لا يحلبه اليوم واليومين والثلاثة، ثم يذهب بحيوانه إلى السوق فإذا رآه الرائي قال: هذه كثيرة اللبن! غش وتورية وتدليس على المشتري حرمه الشرع.

وهكذا من أنواع الغش الناجش، الذي يزيد في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها لكن يريد التغرير بالمشتري، فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وقال: «لا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض.. المسلم أخو المسلم».

وفي سنن ابن ماجه وهو في الجامع أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترط في البيع: «لا داء ولا غائلة ولا خبثة». بيع المسلم للمسلم؛ «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه»، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» (أي للظلم)، فلا يغشه؛ المسلم لا يغش المسلم.

وهكذا يحرم أنواع الغش عند الدلالين وأصحاب الوساطة التجارية الذين يبالغون في الثناء على بعض السلع لتنفق على المساكين المغفلين وعامة الناس، فيظن أنها على ذلك الوصف فيشتري، فيذهب ماله سدى وتصير تلك البضاعة هباءً منثوراً لا فائدة منها، لا يستفيد منها؛ هذا من الغش والكذب والخيانة والتدليس والتزوير.

ومن أنواعه أيضاً الغش عند الصناع؛ من خبازين وخياطين وطباخين وسائر أنواع الحرف، الذين يصلحون السيارات والكهربائيات وغيرها من الآلات والذين يبنون البنايات وسائر أنواع مسميات العمال؛ إذا صدق بارك الله له في عمله وفي رزقه، وإذا غش وكذب وخادع وأتى بالرديء وعمل عملاً ليس مضبوطاً كان غشاشاً داخلاً تحت الوعيد.

وفي السنن أو في الصحيح أن رجلاً قال: يا رسول الله إنه إذا بايع يُخدع في البيوع، قال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (أي لا خديعة ولا غش).

ومن أنواع الغش المحرم العظيم: غش الرعية للولاة، وله صور كثيرة؛ منها الثناء عليهم بالكذب وبما لم يصنعوا ولم يفعلوا، ومنها الخروج عليهم وتأجيج الناس عليهم، ومنها نزع اليد عن السمع والطاعة، ومنها موالاة الأعداء؛ كل ذلك من أنواع الغش لولي الأمر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عن النعمان عند الحاكم وهو في الجامع الصحيح: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين»؛ هذه من صفات المؤمن. وفي البخاري عن عثمان في قصة طويلة أنه قال: "بعث الله نبينا عليه الصلاة والسلام بالحق والهدى وأنزل عليه الكتاب فآمنت به واتبعته وهاجرت الهجرتين، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف الله أبا بكر فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر فوالله ما عصيته ولا غششته"؛ هكذا كان السلف يدعون لولاة الأمر بالصلاح ولا يغشونهم.

وهكذا من أعظم أنواع الغش غش ولاة الأمور للرعية؛ وفي الصحيحين عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من راع يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصحه، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة». وهو غاش لرعيته في دينهم أو في دنياهم، وهذا يشمل ولي الأمر الأعلى ومن دونه من الوزراء والمدراء حتى يصل إلى المعلمين والآباء. قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالأب راع في أهله وولده ومسؤول عن رعيته، والإمام راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، ألا كلكم راع ومسؤول عن رعيته». وقال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؛ فيجب النصح وعدم الغش للمسلمين عموماً بين الراعي والرعية؛ وإذا لم يقم الراعي بما أوجب الله عليه فسد حالهم وحاله، وإذا لم تقم الرعية بما أوجب الله عليها فسد حاله وحالهم كما هو مشاهد بالعيان، والله المستعان.

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

===============

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم نلقاه.

أيها الناس:

من أعظم أنواع الغش غش شاهد الزور؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً فجلس قال: «ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور». غش للمالك، وغش للقاضي، وغش للورثة والنسل؛ غش عظيم، ولهذا شهادة الزور من أعظم الكبائر.

ومن أعظم أنواع الغش المنتشر في أوساط المسلمين غش المسؤولين والقائمين على شهادات المتخرجين العاملين في سوق العمل، ولا سيما إذا كان ذلك في مجال الطب البشري أو الهندسة أو نحو ذلك؛ فالذين يمنحون بالمال (الغشاشون) يمنحون الشهادةَ بالمال) فيملأون السوق بأطباء كذبة لا يعرفون من عملهم إلا الاسم، أو بمهندسين؛ ما أكثر الخراب وما أكثر الأمراض والأسقام نتيجة الخريجين العاطلين عن العلم والخبرة الذين أخذوا شهاداتهم بالمال من قبل المسؤولين الغشاشين للمسلمين!

ومن أنواع الغش غش أصحاب المصانع والمتاجر والمخازن والمسؤولين عليهم الذين ملأوا أسواق المسلمين بالمنتهيات وبالمخزنات بطرق غير صحية وغير جيدة، فيشتري الناس بأموالهم أمراضاً، تمتلئ المستشفيات بالمرضى من جراء الإخلال بالمسؤولية والغش المنتشر في أوساط المسلمين؛ يا أصحاب المصانع ويا من يقوم عليهم اتقوا الله، كونوا قدر المسؤولية التي أنيطت بكم.

ومن أنواع الغش المنتشر في أوساط المسلمين غش المنتسبين إلى العلم بالتقليد الأعمى للمذهب أو لمن سبق ومعارضة الدليل، وبالفتوى الجائرة، وبالتلبيس على المسلمين دينهم؛ يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون وهم يعلمون، فتراهم ينشرون الشرك القولي والعملي وينافحون عليه وكأنهم يدعون إلى التوحيد الصراح؛ غشاشون كذبة والله ما هم بمفتين إنما هم مفتنون، مفتنون في أوساط المسلمين ينشرون البدع ويزينون السحر والشعوذة ويزينون للناس الباطل والتبرج والسفور والخمور وغير ذلك من أنواع المحرمات؛ نعوذ بالله من ذلك باسم الفتوى والحديث عن الدين والإخبار عن أحكام رب العالمين! هذا غش عظيم، هذا منكر فظيع.

ومن أعظم أنواع الغش أيضاً أيها المسلمون عباد الله الغش الذي يكون من قبل الوالد لابنته أو لابنه بتربيته تربية غير صالحة وتنشئته على غير معالم الإسلام وأخلاقه وآدابه الكريمة الفاضلة؛ هذا غش عظيم يسأل عنه يوم يقوم بين يدي رب العالمين.

ومن أعظم أنواع الغش غش القلب بالدغل والبغض للصالحين والأبرار والعلماء والطيبين؛ قال الله عز وجل في وصف المؤمنين النصحاء الذين ليسوا بغشاشين: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}. قال المفسرون: "لا تجعل في قلوبنا غلاً" أي لا تجعل في قلوبنا غشاً ودغلاً وبغضاً للصالحين والمؤمنين.

وإن أعظم المنتسبين للملة غشاً ودغلاً: الرافضة؛ الذين أبغضوا أفضل البرية وأفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام؛ أبغضوا أبا بكر ولعنوه وسبوه، وأبغضوا عمر ولعنوه وسبوه، وتناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه، وتناولوا المهاجرين والأنصار لا يستثنون، نعوذ بالله من هذه الحالة الخبيثة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق»، ولهذا العلماء جميعاً لا يسمون الرافضة إلا بالمنافقين بنص حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، لما في قلوبهم من الغل والحقد والغش على المؤمنين في القديم والحديث.

ومن أعظم أنواع الغش غش الصحافة والإعلام، وتدليسهم وتلبيسهم على المسلمين، وإظهار الحق في صورة الباطل وإظهار الباطل في صورة الحق، حتى يكاد يوجد في أوساط المسلمين -مع ما يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم من المقاربة بين اليهود والرافضة- يكاد يوجد من يصدق أن هناك عداوة بين الرافضة وبين اليهود لما يلقيه الإعلام والصحافيون الكذبة الغشاشون على المسلمين، وما والله هم إلا جعبة واحدة على الإسلام والمسلمين؛ يحاربونهم ويقتلونهم ويتآمرون عليهم ليل نهار. وأنواع الغش في أوساط المسلمين كثيرة، نبهنا على بعضها.

نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وإحسانه أن يعيننا على أنفسنا وأن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة. اللهم من أرادنا وبلادنا وبلاد المسلمين بسوء أو مكر أو غش فاجعل تدبيره تدميراً عليه، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.